صديق الحسيني القنوجي البخاري

453

فتح البيان في مقاصد القرآن

الحجة ويظهرها للناس على ألسن رسله وقيل : يرمي الباطل بالحق فيدمغه . عَلَّامُ الْغُيُوبِ قرىء برفع علام وبنصبه قال الفراء : والرفع في مثل هذا أكثر كقوله : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ ص : 64 ] ، وقرىء : الغيوب بالحركات الثلاث في الغين وهو جمع غيب ، والغيب هو الأمر الذي غاب وخفي جدا . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 49 إلى 54 ] قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ( 49 ) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 ) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ( 54 ) قُلْ جاءَ الْحَقُّ أي الإسلام والتوحيد ، وقال قتادة القرآن وقال النحاس التقدير صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج ، وأقول لا وجه لتقدير المضاف فإن القرآن قد جاء كما جاء صاحبه . وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أي ذهب الباطل ذهابا لم يبق له إقبال ولا إدبارا ولا إبداء ولا إعادة فجعل مثلا في الهلاك بالمرة والإبداء فعل الشيء ابتداء والإعادة فعله على طريق الإعادة ، ولما كان الإنسان ما دام حيا لا يخلو عن ذلك كنى به عن حياته وبنفيه عن هلاكه ، ثم شاع ذلك في كل مذهب ، ولم يبق له أثر ، وإن لم يكن ذا روح فهو كناية أيضا أو مجاز متفرع على الكناية ، وقيل : يجوز أن تكون ما استفهامية أي : أيّ شيء يبدئه وأي شيء يعيده ، وعن قتادة قال : الشيطان لا يبدىء ولا يعيد إذا هلك ، وعنه قال : ما يخلق إبليس شيئا ابتداء ولا يبعثه وبه قال مقاتل والكلبي . وقيل : الباطل الأصنام والأول أولى . قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ عن الطريق الحقة الواضحة وقرىء بفتح اللام وهذه لغة نجد ، وهي الفصيحة وبكسرها وهي لغة أهل العالية فَإِنَّما أَضِلُّ أي إثم ضلالتي يكون عَلى نَفْسِي وقال عمر بن سعد : أي إنما أوخذ بجنايتي وذلك أن الكفار قالوا له : تركت دين آبائك فضللت ، فأمره اللّه أن يقول لهم هذا القول . وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي من الحكمة والموعظة والبيان بالقرآن و « ما » مصدرية أو موصولة والتقابل هنا من جهة المعنى دون اللفظ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مني ومنكم يعلم الهدى والضلالة وإن بولغ في إخفائهما ، وهذا حكم عام لكل مكلف وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ، ثم ذكر سبحانه حالا من أحوال الكفار فقال :